|
السفير الثقافي
2003 حزيران 4
www.assafir.com
كل ما في العرب من غناء
مصطفى الحسيني
عندما افتتحت كاميليا جبران ذلك الحفل الغنائي المنفرد في القاهرة، حدث كل ما كنا نسيناه منذ سنوات طويلة عن حفلات الغناء وكيف تكون. في لحظة لا تكاد تُدرك، تكاد تستعصي على القياس، سقط الصمت إلا من صوتها يستولي تماما على السمع فيحوِّل الحاضرين منصتين خاشعين... مع أنها كانت تغني << ضيَّعت مستقبل حياتي في هواك ...>>. دور لحَّنه في عشرينيات القرن الماضي سيد درويش في خصوبة شبابه القصير الذي كان كل عمره. لحن يلتزم الأصول الموسيقية الشرقية ويحفل بزخارف النغم. لكن كاميليا جبران خرجت به عن الالتزام بأداء ذلك الرائد الموسيقي، لتعيد بناء لحنه ولتقدم أداءها هي له في ما يصل إلى إعادة تفسير حالة الفناء في العشق، لا مجرد إبداع صيغة أخرى لغناء قديم. على خلاف الدارج في التعامل مع القديم، لم تتجه إلى تحديث اللحن. على العكس، حفرت له دربا أعاد وصله بجذوره .
كأنما كانت تقول هذه هي منابعي وهذا هو مذهبي في النهل منها .
بعد هذا التعريف بالمنابع، دخلت عالم جبران خليل جبران لتقول باللحن الذي شاركها موسيقي أوروبي في صياغته أن ذلك العالم هو عالمها، عالم أهلها وأَسْرها وعذابها؛/ غريبة في هذا العالم... غريبة./ وفي الغربة وحدة قاسية.../ ووحشة موجعة./ ير أنها تجعلني أفكر أبدا بوطن سحري لا أعرفه ./ وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني./غريبة في هذا العالم./وقد جُبت مشارق الأرض ومغاربها.../فلم أجد مسقط رأسي./ ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي .
هنا تغني كأن الصوت يخرج من ثنايا أعماق أحشائها ينزف ألماً. ألمها لا يستجدي عطفا. تناجي نفسها منطوية عليه. لا يرتفع الصوت بل يتموج ما بين البوح وما بين الهمس. الصوت بَحَّة تغطس إلى داخله تنقل غصة إلى أفئدة من يسمع. لا يسمع إلا من ينصت. وليس بين الحاضرين المنصتين من لا يحبس أنفاسه. في نهاية الأغنية تُطرِق المغنية. يكاد رأسها ينغرس بين كتفيها وينأى عن الضوء الشاحب وجهها الحزين، الذي لا يتخلى عن صرامة ناعمة تميزه، حتى وهو حزين. عندما تصمت المغنية، يطبق على القاعة صمت قصير خاطف، يشتعل بعده تصفيق مبطَّن بالتنهد .
انعطفت بالغناء إلى زمنها مع فرقة <<v صابرين >> المقدسية. غنَّت من شعر حسين البرغوثي << جاي الحمام >>:/ أكلك جرادة مغمَّسة بنقطة عسل./ لبسك خيش ووبر جمال./ نعلك شوك ودربك شوك وزهور قلال./ يا قمر عحدود./ يا نبي مطرود./ وصوته بِنَدَه في البراري./ وسَّعوا الطرقات لغزلان المحبة والسلام./ جاي الحمام من الجبل./ جاي الحمام .
ليس غناؤها إذن حزنا كله. لكنه حتى في التمني شجن مقطَّر. احتضانها للعود يكاد يخفيه في انحناء جسدها الصغير كالتميمة، مع انكباب رأسها بشعره الأسود القصير الذي خالطه شيب مبكر، وهي جالسة على مقعد خفيض يشي بألفة البيت. غناؤها هنا يقول لك ان الحمام آتٍ. ربما ليس قريبا. وقد يطول الزمان قبل أن تسمع حفيف رفوفه وأسرابه. ربما بعد رحيل جيل أو أجيال. لكنه آتٍ .
إنها لا تحمل << بضاعة >> الشكوى ولا بضاعة التحريض. كل ما تفعله أن تبث الدنيا نجواها وتشيع فيها إدراك قسوة غربتها، غربة ناسها حتى في وطنهم. وتهمس بأملها الذي تثق بأنه لن يكون أبدا سرابا .
هذه هي الناصية التي تمسك بها في الغناء للوطن .
كل هذه الحروب/ كيف أسميها./ المدن المحروقة./ الجبال/ التخيلات المقطوعة./ الجموع. كيف أسميها./ أو لم يبقى لي سوى نظرة واحدة. / وإلى جدار واحد./ وفي اتجاه واحد .
هذا الشعر لبول شاوول، عندما غنَّته كاميليا جبران، لا أعرف كيف دفعني إلى عمق في ذاكرتي يقع في منتصف عمرها، في 1969 كانت المرة الأولى التي أستمع إلى << سيدة أفريقيا >> ميريام ماكيبا << حاملة كل ما في أفريقيا من غناء >> بحضورها الطاغي أمام جمهور منبهر في مسرح الأوليمبيا في باريس. يوم قصدت غرفتها مدفوعا بنزعة للعراك معها، على غير معرفة سابقة، لأنها غنَّت أغنية اسمها << أرض الميعاد >>. وكيف استقبلتني بعد انتهاء الحفل متفهمة وضاحكة ومازحة، لتقول إن أرض ميعادها هي جنوب أفريقيا التي نفيت منها وإن أرض ميعاد الفلسطيني هي فلسطين، وان لكل غريب << أرض ميعاده >>. وكيف وجدت صدق تفسيرها وهي تُسمعني في اليوم التالي الأغنية ذاتها في غرفتها في الفندق .
هل أجرؤ على وصف غناء كاميليا جبران بأنه << كل ما في العرب من غناء >> ؟
نعم. ولن أُفسِّر لأنني لا أعرف كيف أُفسِّر .
على من يساوره شك في الوصف أو تحفظ عليه أن يستمع إلى أغانيها الأخيرة التي تضعها تحت عنوان << محطات >>.
لكن، من هي كاميليا جبران؟
هل تحتاج كاميليا جبران إلى تعريف؟ مؤسف أن جواب هذا السؤال هو نعم. وأن السبب هو قلة الذيوع وضعف الانتشار. وأن سببهما أنها فلسطينية تحمل جنسية وجواز سفر إسرائيليين. كأنها تُعاقب على ما لم تقترف. كأنها تُعاقب على أخطاء التاريخ العربي وهزائمه التي ليست مسؤولة عنها بأي حال، والتي وقعت أو ارتكبت قبل أن تولد في العام 1963، عندما كان عمر الدولة اليهودية 15 عاما. ومن فصول العقاب المفروض عليها أنها منذ عشرين عاما تهب حياتها للغناء تحت الحصار. تحت الحصار المفروض على << القطاع >> الذي تنتمي إليه من الشعب الفلسطيني الذي فرٌّقته << النكبة >> وشتتته ووزعته ما بين << قطاعات >>. << قطاعها >> هو الذي أدت ظروف النكبة وملابساتها إلى أن يبقى على أرضه، لكنه عوقب مرتين : الأولى بمنطق الظلم المحتوم. بقي تحت حكم العدو مكسورا ومستباحا ومقهورا، أسيرا محروما حتى مما للأسرى من حقوق. لكنه على أرضه يعيش ومنها يستمد الأمل باستعادة ما اغتصب وفي اجتماع الشمل .
العقوبة الثانية أتته من حيث كان يتطلع إلى السند وينتظر المدد. أصبح كاليتيم أنكره من بقي من أهله .
بين هؤلاء راحت كاميليا جبران تغني .
الحفلات الأربع التي انعقدت لغناء كاميليا جبران في مصر اثنتان في القاهرة وواحدة في الإسكندرية والرابعة في المنيا، << عروس الصعيد >> كانت كلها في قاعات خاصة، رغم وفرة القاعات العامة الحكومية، الخالية أو المشغولة بما لا يستحق أن يشغلها. والجولة الفنية كلها، نظَّمتها وموَّلتها مؤسسة ثقافية سويسرية. ويبدو أنه لم يعد أحد يعجب لغياب << المؤسسة الثقافية >> في بلد مثل مصر عن دورها الطبيعي في احتضان ما هي أوْلى باحتضانه. بما يجب عليها احتضانه .
لكن هذه ليست كل المسألة .
كاميليا جبران وغيرها عشرات وربما مئات من المبدعين الفلسطينيين الذين << كَتَب التاريخ >> عليهم أن يحملوا جنسية إسرائيل وأن يسافروا بوثائقها، ممنوعون من مشاركة العرب إبداعهم باستثناء البلدين اللذين عقدا << سلاماً >> مع إسرائيل. بل وقد يمُنع تداول إبداعهم إن كان إنتاجه في إسرائيل، حتى لو أنتجته هناك مؤسسة عربية .
أليس التواصل الثقافي عنصراً في التزامنا الفلسطيني؟ |