Kamilya Jubran

مشاريع

حياة

تسجيلات

مقالات

مواعيد

للإتصال

صحافة

2006 آذار 24
www.alghad.jo

كاميليا جبران تضيء ليل الشجن وتطلق الدهشة في عروق الكلام- محمد جميل خضر

أحيت كاميليا جبران أمسية غنائية في مسرح البلد ضمن الايام الفرنكفونية

عمّان- تقترح المغنية الفلسطينية كاميليا جبران مساحة جديدة في الغناء والموسيقى العربية وتؤسس داخل سياق مساحتها المقترحة مغايرة على صعيد الشكل (التحديث في المقامات عزفاً وتلحيناً على صعيد الموسيقى واشكال غير مسبوقة بالاداء ومخارج الحروف على صعيد الغناء) والمضمون (قصائد ليست غنائية عادة وتحمل نفساً تأملياً وجودياً فلسفياً، وربما درامياً حكائياً كما في بعض قصائد اللبناني بول شاوول).

وفي امسيتها "عرض منفرد" التي اقيمت اول من امس في مسرح البلد ضمن فعاليات الايام الفرنكفونية برعاية السفارة السويسرية ودعم شركات سويسرية واردنية، واصلت جبران ما بدأته اواخر العام 2002 منذ "محطات" التي عرضتها في مدينة بيرن السويسرية ومدن اوروبية وعربية اخرى مروراً بـ"وميض" الذي انجزته بمشاركة الفنان السويسري فرنر هاسلر.

واعادت في الامسية التي حضرها السفير السويسري ورئيس بلدية اربد المهندس وليد المصري وجمهور بلغ زهاء 400 شخص معظم برنامج حفلها العام الماضي في دارة الفنون من قصائد للشعراء: الفلسطيني سلمان مصالحة واللبناني بول شاوول (معظم برنامج حفل اول من امس كان لقصائده) والعراقي فاضل العزاوي وواحدة فقط للشاعرة عائشة ارناؤوط "توأم عمري"، بالإضافة إلى قصيدة "الشاطئ الآخر" لدميترس اناليس التي ترجمها أدونيس.

وكشفت جبران المولودة في مدينة عكا المحتلة العام 1948 لأسرة من قرية الرامة الجليلية عن سعيها للمغايرة والاختلاف وتحفيز مجسات الدهشة منذ لحظة دخولها وادخالها الحضور في اجواء الامسية, عندما اختارت ان تتقدم نحو المنصة من بين مقاعد النظارة وهي تدندن بصوت وئيد معبأ بالشعر والصلاة قصيدة "يا صاحب الدن" فيما هي تتمايل وجداً ووعوداً بما يشبه لحظة العناق الصوفية (سكر بلا خمر), كان دخولاً مدهشاً مع قصيدة صديق تدين له بالوفاء وتبدأ به عادة امسياتها, ومعه واصلت بعد الجلوس ومعانقة العود واقامة جدلها العنيد والفذ معه "سائراً في سحاب/ لون افقيننا والحكايا سراب/ ضاع عمري سدى/ باحثاً عن جواب". وهو ما تفعله جبران منذ ترعرعها وسط عائلة يصنع ربها الآلات الموسيقية الشرقية من اعواد وقوانين ونايات ويدرس الالحان والمقامات واصول العزف.

انخرطت جبران العام 1982 في فرقة صابرين المقدسية. وعندما اتسعت الرؤية وضاقت العبارة, غادرت الفرقة, وواصلت وحدها مسكونة بدعوة للاستيقاظ من غيبوبة المعنى "لو دعاني الصديق/ ان اعود الى يقظتي استفيق/ ما تركت الفلا/ ما تركت الطريق".

ولأن الطريق وعر و"طال ليل الظنون والاماني سلام" فإن شعرة واهية بين الابداع والجنون, لم يعد بالامكان ملاحظتها في شكل جبران اداء وتبتلا وذوباناً خالصاً مع لحظة الشعر ومحاولة إعمار المعنى بأقصى ما يمكن من مقاربة, لأن الجواب الكامل ليس في الوجود المتحقق فوق الارض, انه في مكان اثيري ما, بين المتعين وبين المتخيل: "مارق في العيون/ رجع لحن انا/ طالع من جنون".

ومن سحابها الذي استحال سراباً ولا يحمل وعوداً واضحة بالمطر ذهبت جبران الى عالم بول شاوول الشعري وبعد جدل متجدد مع العود الذي روضته الفنانة ذات الحضور المتمرد شكلاً ومعنى على مدى ربع قرن من محاورته والبحث عن مساحات غير مطروقة في سلمه الموسيقي, غنت بداية لشاوول "كانت طفولتي طويلة" التي تحمل قدراً مذهلاً من التأملية التعبيرية والبصرية "كانت الامور في امكنتها/ كان الصبح صبحاً/ والجسم جسماً/ والشجرة شجرة/ والميت ميتاً/ والحي حياً/ والظهيرة ظهيرة/ والنجمة نجمة/ والليل ليلاً/ والنوم نوماً/ والحلم حلماً/ في طفولتي الطويلة".

قصيدة تشبه هذيانات حالم يقف وسط العمر او وسط المؤثثات غير المفهومة لحياته الطويلة التي اراد ان يكون اطولها طفولته لأن الحاضر ملوث بأشياء كثيرة "وتصفحت الهواء العابق بالدخان والسعال", ولأن التذكر الاقصر مدى يختلف عن ذكريات الطفولة الطويلة عندما كانت الاشياء في امكنتها "وتذكرت يوم قتلت وتقطعت ارباً ارباً".

ومع صعود لحني للعود غنت لشاوول ايضاً "كل هذه الحروب" في عودة للاسئلة مرة اخرى، الاسئلة التي لا تنتهي في قلب واقع يشبه اللوحة الممزقة الغارقة في سوريالية عبثية "المدن المحروقة/ محروقة/ المدن/ الجبال/ كيف؟!/ المخيلات المقطوعة/ الجموع/ كيف اسميها؟".

وفي ارتداد الى ذاتية موجوعة غنت بنفس درامي ميز اداءها "في تلك الليلة" التي لم يفهم فيها الشاعر دمعة واحدة من دموع صديقته "وكان دمعك يزداد غموضاً كلما مسحته اطراف اناملك/ كان دمعك يزداد غموضاً/ يزداد دمعاً" وكانت الحروب قبل وبعد تلك الليلة التي ظل السؤال حولها عالقاً عن سبب دموع السيدة التي كانت تبكي وحدها في نفي ذاتي سلبي للوجود الاخر معها في الغرفة (هل نفر من دموعها) فأخرج نفسه من دائرة الوجود الخارجي لعالمها المحتوي على قدر من البكاء).

وتبقينا جبران داخل الغرف المليئة بالشك والقلق الوجودي, وتغني "نفاد الأحوال" لشاوول الواقف وسط الغرفة امام امرأته او مرآة روحه "صبرت أمام المرآة طويلا لأرى وجهي/ فتصفحت الهواء العابق بالدخان والسعال/ وكدت أمجه وأنساه وضؤلت". وتتقاطع هذه المعاني مع هواجس عائشة أرناؤوط في قصيدتها "تؤام لا مرئي": "اتعرى اتعرى اتعرى/ جلدي/ لحمي/ عظامي/ انتمائي/ سلالتي/ ذريتي/ أغادر فلول الخلايا وإطار الظل" في خروج كلياني ينشد التطهر ويبحث عن مفردات ابتهاجه الخاصة به.

ولم يختلف ما اختارته من قصائد للعراقي فاضل العزاوي عن السياق العام لاجواء الامسية المحملة بشجن يقطر وجعا: "منحدرا من الجبل/ يعدو حصانك خببا تاركاً اثار حوافره الذهبية/ في جسد الغيمة الشاردة". ووسط نزول وحركة قلقة لا تستكين, وترويض مستحيل لأوتار عود جعلته جبران اكثر من آلة واحدة, حلقت في مداراتها الصوفية, واشراقاتها العلوية, الطالعة من اغتسال عند نبع سلسبيل, كنشيد انعتاق, وتجول داكن.

وفي تحليقها لا تركن للعادي, والمباشر من المعنى والكلام والقصائد "حيث الوحشة بفناراتها المهجورة/ تلقي بظلالها فوق قوافل سائرة في متاهاتها".

وربما كانت قصائد العزاوي الأكثر حزناً وسواداً في الامسية. وبدت كأنها طالعة من حقل آخر لم تدسه بعد حوافر الغزاة, حقل بكر طلع فيه صوت جبران معتقاً بنشيد مكتوب من اجله فقط, الا ان السياق العام لقصائد العزاوي وباقي قصائد حفل مسرح البلد الذي اكتظ بالناس والاغنيات والاضاءة الطالعة من غموض الازرق كان الاختلاف, والابتعاد عن السهل, المتداول, الذي تركض الالحان فيه من دون عناء.

"قل للقابع في كهفه

All content copyright © 2005 - 2007 kamilyajubran.com
All Rights Reserved
Designed and Developed by Eworx